طنجة تستعد لاحتضان محطة تحلية مياه بطاقة 150 مليون متر مكعب

صورة تظهر أعمال التحضير لإنشاء محطة تحلية مياه في مدينة طنجة، بطاقة إنتاجية تصل إلى 150 مليون متر مكعب، تعكس جهود المدينة لتأمين احتياجاتها المائية وتعزيز البنية التحتية للمستقبل.
مشروع استراتيجي جديد ضمن رؤية المغرب لتأمين الموارد المائية


في خطوة جديدة تعكس طموح المغرب لتأمين موارده المائية في مواجهة التحديات المناخية، كشف نزار بركة، وزير التجهيز والماء، عن مخطط لبناء محطة ضخمة لتحلية مياه البحر في مدينة طنجة، إحدى أبرز المدن الاقتصادية والسياحية بالمملكة. ومع توقعات بأن يبدأ العمل في المشروع بين نهاية عام 2028 وبداية 2029، يأتي هذا الإعلان كجزء من استراتيجية وطنية شاملة تحمل بصمة التوجيهات الملكية للملك محمد السادس، الهادفة إلى ضمان استدامة المياه في ظل الجفاف وارتفاع الطلب.

محطة تحلية طنجة: أرقام وتفاصيل

المشروع المنتظر ليس مجرد محطة تحلية عادية، بل يُعد أحد أكبر المشاريع المائية في المنطقة الشمالية. وبحسب المعلومات التي كشف عنها الوزير بركة، ستتمكن المحطة من إنتاج ما يقارب 150 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنويًا، وهي كمية كافية لتلبية احتياجات مئات الآلاف من السكان والمشاريع التنموية في طنجة وضواحيها.


اختيار طنجة لاحتضان هذا المشروع لم يكن عشوائيًا، فالمدينة التي تُطل على مضيق جبل طارق تشهد نموًا سكانيًا واقتصاديًا متسارعًا، إلى جانب استقطابها لملايين السياح سنويًا. ومع هذا الضغط المتزايد على الموارد المائية التقليدية، تبرز الحاجة إلى حلول مبتكرة مثل تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي. من المتوقع أن تعتمد المحطة على تقنية "التناضح العكسي"، وهي تقنية حديثة تُستخدم على نطاق واسع عالميًا لكفاءتها في تحويل مياه البحر إلى مياه صالحة للشرب والاستخدامات الأخرى، مع تقليل استهلاك الطاقة إلى أدنى حد ممكن.

سياق وطني طموح: 1.4 مليار متر مكعب بحلول 2030

محطة طنجة ليست سوى حلقة في سلسلة مشاريع طموحة يعمل المغرب على إنجازها لتعزيز قدراته المائية. ففي ظل الجفاف المتكرر الذي ضرب البلاد خلال السنوات الأخيرة، والذي أدى إلى تراجع مخزون السدود إلى مستويات مقلقة، وضعت الحكومة خطة وطنية تهدف إلى رفع الطاقة الإنتاجية لتحلية المياه إلى 1.4 مليار متر مكعب سنويًا بحلول عام 2030.  


ولا تقتصر هذه الجهود على طنجة وحدها، بل تشمل مدنًا أخرى مثل الدار البيضاء، التي بدأت بالفعل في تنفيذ مشروع تحلية يُعد الأضخم في إفريقيا، والداخلة التي تتطلع إلى استغلال موقعها الساحلي لتلبية احتياجاتها المحلية. لكن ما يميز مشروع طنجة هو موقعه الاستراتيجي القريب من أوروبا، مما قد يفتح الباب أمام شراكات دولية لدعم المشروع ماليًا وتقنيًا.

التحديات والآفاق: بين التمويل والبيئة

ورغم الإشادة بالمشروع، فإن تنفيذه يثير تساؤلات حول الجوانب المالية والبيئية. حتى الآن، لم تُكشف تفاصيل دقيقة عن تكلفة المحطة أو مصادر تمويلها، لكن خبراء يرجحون أن يتم الاعتماد على نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الذي أثبت نجاحه في مشاريع مماثلة بالمغرب. كما قد تلعب مؤسسات دولية مثل البنك الدولي أو البنك الأفريقي للتنمية دورًا في تقديم الدعم المالي أو الفني، وهو أمر بات شائعًا في مشاريع البنية التحتية الكبرى.


على الجانب البيئي، يبقى التساؤل حول كيفية إدارة المياه المالحة المركزة الناتجة عن عملية التحلية أحد أبرز التحديات. فتصريف هذه المياه في البحر دون معالجة قد يؤثر على النظام البيئي البحري في منطقة مضيق جبل طارق، وهو ما يستدعي دراسات بيئية دقيقة لم تُنشر تفاصيلها بعد. لكن المسؤولين يؤكدون أن المشروع سيُصمم وفقًا لمعايير بيئية عالمية لضمان استدامته.

مستقبل مائي آمن لمدينة طنجة

مع اقتراب موعد انطلاق الأشغال في 2028-2029، يترقب سكان طنجة وفاعلون اقتصاديون هذا المشروع باهتمام كبير. فنجاحه لن يعني فقط توفير المياه للشرب والري، بل سيسهم أيضًا في دعم التنمية الاقتصادية للمدينة التي تُعتبر بوابة المغرب نحو العالم.  


ويبقى الأمل معقودًا على الإعلانات الرسمية المقبلة لكشف المزيد من التفاصيل حول الجدول الزمني الدقيق، الشركات المنفذة، والتكاليف الإجمالية. لكن ما لا شك فيه أن محطة تحلية طنجة تُمثل خطوة واعدة نحو مستقبل مائي آمن، ليس فقط للمدينة، بل للمغرب بأسره، في ظل تحديات القرن الحادي والعشرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق